محمد الحفناوي

185

تعريف الخلف برجال السلف

خصوصا في الغلاء ، كثير التصدق بيده ، ويكثر الخروج للخلوات ، ومواضع الخرب الباقية آثارها للاعتبار ، وإذا رأى ما كان منها متقنا ذكر حديث « رحم اللّه عبدا صنع شيئا فأتقنه » « 1 » ويقول : أين سكّانها ؟ وكيف كانوا يتنعمون ؟ وسمعته يقول : كم من ضاحك مع الناس وقلبه يبكي خوف ربه ، فهذا شأن العارفين مثله . سأله بعض أصحابه ممن يبحث عن أحواله لأي شيء يتلوّن وجهك وتتغير كثيرا مع الانقباض ، فأجابه بعد تمنع بشرط أن لا يخبر به أحدا فقال : نعم ، فقال الشيخ : أطلعني اللّه تعالى على رؤية جهنم وما فيها ، نعوذ باللّه منها ، فمن حينئذ صرت أتغيّر وأحزن إلى الآن ، فهذا سبب تغيّري ، وقال شيخنا أبو القاسم الزواوي حفظه اللّه من أكابر أصحابه : سمعته يقول : ضاقت علي العوالم كلها من العرش إلى الفرش ، ولم أر منها ما يسرّني ، فلم أمل لشيء منها بالكلية ا ه . وحاله في الدنيا كالمسجون لشدة خوفه ومراقبته كل لحظة وكثرة تفكره ، كان يصوم يوما بيوم صوم داود عليه السلام ، ويفطر على يسير طعام ، ولا يطلب يوم فطره ما يأكله ، وربما بقي ثلاثة أيام أو أزيد لا يأكل ولا يشرب إن أتى بطعام أكل ، وإلّا بقي كذلك ، وربما سألوه بعد مضي جلّ النهار أمفطر هو ؟ فيقول : لا مفطر ولا صائم ، فيقال له : لم لا تعلمنا بفطرك ؟ فيتبسم وربما مازح بعض أصحابه فلا ترى أحسن منه حينئذ ، لا يرفع صوته بل يعتدل فيه ، ويصافح الناس ولا يمنع من قبّل يده ، وليس له لباس مخصوص يعرف به ، بل معتاد الناس اليوم ، ويكره الكلام بعد صلاة الصبح والعصر ، ويتراخى في تكبيرة الإحرام بعد الإقامة ولا يكبر إلا بعد حين ، وأخبرتني

--> ( 1 ) أخرجه البيهقي من حديث عائشة مرفوعا بلفظ : « إن اللّه يحب إذا عمل أحدكم عملا أن يتقنه » وهو حديث حسن ( ش ) .